الأحد, مايو 20, 2012

ليلة موت الحمار

الكاتب سامح ينى في الخميس, 28 يوليو 2011. نشرت في الرواية والقصة القصيرة

ليلة موت الحمار

صباح عادى لا يأتى بجديد ، فقط تتقلص اوراق النتيجة ، تحاول أن تقاوم المد الزمنى الزاحف نحوك بهدوء شديد ، عدد من الشعيرات البيضاء تكتشفها صدفة ، أمام المرآة تراجع تفاصيل وجهك الذى تحفظ قسماته جيدا ، تبتسم عندما تتذكر كلمات حبيبتك ومدحها لعينيك الواسعتين ، تتحسس لحيتك المنطلقة منذ آخر لقاء بينكما ، أمام المرآة تعلن فش...لك فى الخلاص من صورتها وكلماتها التى تسكنك إلى الأبد.

فى الطريق الموازى لسور المترو ، كانت خطواتك تلتهم الشارع ، أمام المحطة تنتظرها ، تدفع فى الوقت ناحية الموعد المحدد ، تفتح الجريدة التى بحوزتك تقرأ دون أن تفهم ، كعادتك دائما تتوتر فى الاماكن المزدحمة ، تفتش عنها بين الوجوه الواقفة على رصيف المحطة ، تتأكد أنها لم تصل بعد ، تجلس على الكرسى الأسمنتى تنشغل بمتابعة طفل صغير يجلس بجوارك يرسم قلبا وبداخله حرفين وبينهما سهم ، تبتسم فى داخلك ، وتمسح بيدك على رأسه فيبادلك الابتسام.
***********************
من جيب جلبابك القديم تخرج آخر خطاباتها ، تجلس على الكرسى الوحيد المجاور للنافذة المطلة على ورشة السمكرة ، لم تعد تلتفت إلى إيقاع الجاكوش الذى يرسم على الصاج دوائرا متساوية ، أصبح الصوت مألوفا تماما كباقى الأشياء المزعجة فى حياتك .
كنت تحفظ بدقة كافة الانحناءات الموجودة فى خطها الدقيق وإصرارها على رسم شرطة صغيرة بدلا من كتابة النقطتين ، وعدم تفريقها بين حرفى الهاء والتاء المربوطة .. بهدوء شديد تفرد الخطاب ، تفرده بحرص ، تمسك الورقة التى غيرت معالم قلبك ، تأخذ نفس استعدادتك فى كل مرة تقرأ فيها ذلك الخطاب ، و تمنى نفسك أن الزمن من الممكن أن يغير المكتوب !.
*************************
تأخرت كثيرا ، تنظر إلى ساعتك فى قلق ، كيف تغيب كل هذا الوقت ، تحاول أن تراجع مواقفها معك فى الأيام الأخيرة ، ولكن شيئا بداخلك كان يفرز مرارة لا تستطيع تحملها ، وقتها كان يدق قلبك فى اتجاهين ؛ القلق الغاضب ولهفة المحب ، لم يطحن قلبك من قبل مثل اليوم ، مع الوقت يتحول قلبك إلى ذرات صغيرة تدفعها شرايينك إلى كافة أنحاء جسدك .
فى بطء يطلق المترو صافرة متقطعة تزيد من مساحة كآبتك واللون الأصفر الباهت الممزوج برائحة الغروب يخترق مسامك المفتوحة على ناصية الحزن .. من عربة السيدات تهبط وسط الزحام ، لها حضور فى وسطهم ربما داخل رأسك فقط ، تقدمت نحوك ، حاولت أن ترسم إبتسامة ولكنها لم تخرج مكتملة ..
- آسفة لو كنت أتاخرت عليك
- ولا يهمك ، أقعدى ارتاحى
***********************
تسند ذراعك على حافة النافذة وأصابعك تفتح الخطاب ، وبيدك الأخرى تمسك كوب الشاى الساخن " بصراحة مكنتش عارفة أقولك ايه ، مكنتش ناوية آجى فى الميعاد ، بس قلت كده يبقى هروب ، انا عارفة إنك زعلان بس واثقة أنك هاتسامحنى ، الموضوع أكبر منى ، مكنتش أقدر أرفض المرة دى ، وأنت عارف أن بابا مبقاش يصدق اى حجج ، وبصراحة متزعلش منى ، أنت محاولتش تطور نفسك طول الفترة اللى فاتت ، ماما وهى بتوضب دولابى لقت القصائد اللى أنت بتكتبهالى ، بصراحة قالت كلام صعب أوى ، قالت لى بدل ما عمال يحب فيكى يتنيل ويدورله على شغلانه عدلة يجبله قرشين ، معرفتش أرد عليها ، يمكن ده يكون آخر جواب أكتبهولك ، مش عوزاك تزعل ، أكيد أنت تستاهل حد أحسن منى ، بس وحياتى متنساش تدعيلى ، إنت عارف إنى بكبر والعريس اللى جابتهولى عمتى مقدرتش أرفضه ، بيقولوا عنده عربية وشقة كبيرة ، ومكتب مقاولات ، ارجوك متزعلش ، انا واثقة إنك شوية وهاتنسى ، معلش انا عارفه إنى سخيفة بس يمكن لو كنت مكانى كنت هاتعمل زى ما انا عملت ، انا هابعتلك الورق بتاعك والهدايا فى أقرب وقت .. سلام "
*************************
تغيرت تماما كما تغير كل شىء من حولك وبداخلك ، لم تكن أحزانك النبيلة فقط على فراقها ، ولكنك كنت تبحث عن السبب الذى جعلها تتخذ القرار ، بداخلك كنت تراجع جميع أفكارك وقيمك تزنها بميزان الوقت الحالى ، تلتمس لها ألف عذر ، ولكنك لم تبرر ذاتك بعذر واحد .
الآن وحدك فى عالمك المتسع ، تتقاذفك شوارع وسط المدينة ، تبحث فى الأعين عن إجابة شافية تعيدك إلى عالمهم الذى إنسحبت منه منذ فترة .
لماذا يخافك الناس ، هل لحيتك طالت إلى حد التخويف ، أم أسئلتك الغريبة التى تطرحها على كل شاب وفتاة يمشيان سويا ،
- أنتم رايحين فين ؟
- عندكم شقة ؟ خد بالك من أبوها .. اوعى يجوزها
- وأنت إوعى أمك تاخد بالها من الورق اللى فى دولابك لحسن تبوظ الموضوع
يضحك كل من فى الشارع ، وتبادلهم الضحكات المؤقتة ، وتمشى فى الطريق الممتد بلا نهاية ، وتوزع أسئلك المتكررة ، أمام محل لاصلاح السيارات ، كنت تسألهم ..
- الا صحيح يا عم إزاى الانسان يقدر يطور نفسه ؟
- ممكن يغير العجل ، أو يجيب ماتور من بورسعيد
******************************
فى المساء العادى الذى لم يحمل معه اى جديد ، كانت معدتك الخاوية قد تعودت غياب الطعام ، بينما أطفال الحارة اعتادوا إهانتك ، دون ان يلتفت إليك أحد أو يمنع عنك جراحك اليومية ، تبصق عليهم ، تلعنهم ، تدعوا عليهم بكل شىء إلا فقدان الحبيب .
حجر صغير ينفذ عبر الشباك المفتوح ليبطح رأسك ليسيل دمك النقى ليغسل جلبابك الأبيض من اهانتهم العالقة بك .
ضجة هائلة تأتى من المنزل المقابل ، وصرخات تعلن موت الحمار الذى يجر العربة الخاصة بالفكهانى ، حزن يخيم على الحارة ، الكل يجرى نحوه ليساعده فى حمل الحمار النافق فوق العربة فى مشهد جنائزى يليق بالتاجر .
أصوات مختلطة أسفل نافذتك ، عربة متوقفة ، يخرج منها رجال أقوياء فى ملابسهم البيضاء ، يقرعون باب غرفتك بقوة ، تفتح لهم ، يصطحبونك فى هدوء دون أن تقاومهم ، بينما شقيقك الأكبر يسألك عن المفتاح ، لتخرجه من جلبابك المغسول بالدم .
تهبط درجات السلم ، ممسكين بذراعيك ، وأطفال الحارة يهتفون فى نظام ..
- المجنون اهو اهو .. المجنون اهو اهو
وقبل أن تركب العربة ، تتحسس جيبك ، ترتاح عندما تعرف أن الورقة قد نسيتها هناك داخل غرفتك القديمة !!

شارك

عن الكاتب

تعليقات (1)

  • Asmaa Muhammed
    Asmaa Muhammed
    13 أغسطس 2011 at 20:42 |

    راااااااااااائــــــــــــع

أكتب تعليق

اترك تعليقا .. انت غير مسجل التسجيل اختياري في الاسفل

إلغاء جاري حفظ التعليق

تسجيل الدخول



Login With Facebook

اخر التعليقات

  • شكرا لذوقك :)
    حفصة الشرقاوى

    حفصة الشرقاوى

    22. أغسطس, 2011 |

  • رائعة
    حسناء

    حسناء

    20. أغسطس, 2011 |

  • معلش أنا عجوز شوية.. اسمها معتداً مارش (بتشديد الدال) .. ومعتداً يعني فخور...
    Hesham

    Hesham

    18. أغسطس, 2011 |

  • راااااااائـــــــــع
    soky

    soky

    14. أغسطس, 2011 |

  • راااااااااااائــــــــــــع
    Asmaa Muhammed

    Asmaa Muhammed

    13. أغسطس, 2011 |

لافتة إعلانية

جديد واحة الادب والفنون

موقع دار الكتب الالكتروني

  • موقع دار الكتب الإلكتروني لتوثيق الكتب العربية على الانترنت هو فكرة عربية مستقلة لا تسعى للربح تضع نصب اعينها ان تعود بشعوبنا العربية الى أصالة المعرفة عن طريق نشر ثقافة القراءة بأسهل الطرق وارخصها

اتصل بنا

•    Book Share Club
•    القاهرة - كورنيش المعادي - ابراج عثمان - 33 برج 2م
•    موبايل : 0020102052266


 

Popup Module

This is the Popup Module feature. Assign any module to the popup module position, and ensure that the Popup Feature is enabled in the Gantry Administrator.

You can configure its height and width from the Gantry Administrator.

More Information